الشيخ محمد رشيد رضا

275

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ، إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا ، وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) - فراجع تفسيرها في ص 455 - 458 من جزء التفسير الخامس - وما أطلنا به هناك يغنينا عن الإطالة هنا ، على أن ماهنا أبلغ وان كان اخصر ، لأن حذف متعلق قوامين يدخل فيه القسط وغيره ، وتأكيد الامر بالعدل مع الأعداء والشهادة لهم به يفيد وجوبه مع غيرهم بالأولى . ولما كان الأمر بالتقوى مما حتم على الاطلاق بعد بيان ان العدل هو أقرب ما يتقى به عقاب اللّه في الدنيا والآخرة لأنه قوام الصلاح للافراد والإصلاح في الأقوام - ولما علل هذا الامر المطلق بان اللّه خبير بدقائق الاعمال وخفاياها ، وكان هذا التعليل يشير إلى جزاء العاملين المتقين وغير المتقين - قال عز وجل في بيان الجزاء العام : * * * وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الاعمال الصالحات التي يصلح بها أمر العباد في أنفسهم وفي روابطهم ومرافقهم الاجتماعية ، ومن أسسها العدل العام التام ، والتقوى في جميع الأحوال ، وما ذا وعدهم ؟ أو ما ذا قال في وعده لهم - والوعد من جملة القول - ؟ قال تعالى مبينا هذا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وهذا التعبير أبلغ من تعلق الوعد بالموعود نفسه كقوله تعالى في آخر سورة الفتح ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) لان ما هنالك خبر واحد لا تأكيد فيه ولا زيادة عناية بتقريره وما هنا خبر بعد خبر ، فيه زيادة تأكيد أو تقرير للوعد ، فقد وعد وعدا مجملا من شأنه أن تتوجه النفس للسؤال عن بيانه فهذا خبر مستقل ، ثم بين ذلك الاجمال بخبر آخر أثبت فيه ان لهم مغفرة وأجرا عظيما ، فكأنه قال إنه وعدهم وعدا حسنا أو جزاء حسنا ، ثم بين أن وعده مفعول وان لهؤلاء الموعودين عنده كذا وكذا . هذا إذا جعلت الجملة استئنافا بيانيا وهو التقدير المقدم المختار ، وكذلك إذا جعلت الجملة الثانية من باب مقول القول تتضمن زيادة التقرير للموعود به والتأكيد لوقوعه . ومعنى المغفرة ان ايمانهم وعملهم الصالح يستر أو يمحو من نفوسهم ما كان فيها من سوء تأثير الأعمال السابقة فيغلب فيها حب الحق والخير وتكون صالحة لجوار اللّه تعالى ، والاجر العظيم هو